اذكروا الله ذكراً كثيراً

وقفت عند هذه الآية القرآنية، من سورة الأحزاب : (يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكراً كثيراً وسبحوه بكرةً وأصيلاً)، وقلت لنفسي إن المطلوب ليس الذكر فقط، بل كثرة الذكر، ولكن لماذا؟ وما العبرة والفائدة ؟
ما ينبغي أن يفهمه كل إنسان، أن أي عبادة يفعلها هي لصالحه هو، وهو المستفيد منها، يفعلها من أجل نفسه ومصلحته والله غني عن العالمين، وهذا المعنى تكرر مراراً في القرآن، كما في قوله سبحانه:(يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد)، وقوله أيضا في الأضاحي:(لن ينال اللهَ لحومُها ولا دماؤُها ولكن يناله التقوى منكم).
إذن المطلوب هو كثرة الذكر، الذي يحتاجه الإنسان لتسكنَ بلابلُ نفسه، وتهدأ قلاقلها، ويُربط على فؤاده، ومعلوم أن الخوفَ والقلقَ وثوران وساوسِ النفس، أمراض نفسية شائعة، لا أقول إنها أمراض خُص بها العصر الحديث، كلا، فهي طبيعة للنفس الإنسانية، منذ أن خلقها الله، وأسكنها الأرض تسعى بها وتخوض دروبها ومسالكها بقلوبها الراجفة، ومن هنا منحها دواءها الذي يشفي أدواءها، وأمر به ووصى، لتعيشَ حياتها بسلام وعافية، وأرسل أنبياءه المرسلين، هداةً ومذكرين
رحمةً للناس أجمعين.
إن ذكر المؤمنِ لله، غيرُ مقتصر على أداء العبادات والمناسك فحسب، بل ذكر الله بالنسبة إلى المؤمنين، منهج حياة، كأنه الهواء الذي لا يخلو منه مكان أبداً، إليك الآية التي اهتديت منها إلى هذا المعنى : (فإذا قضيتهم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشدَّ ذكرا)، البقرة، الآية 200.
ولا شك أنهم كانوا يذكرون الله في المناسك، ثم يبقى التعبير الافت في الآية، وهو (كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا)، لماذا نصت الآية على ذكر الآباء خاصة ؟! قال بعض المفسرين أنه كان من عادة القوم في الجاهلية أنهم يتفاخرون بآبائهم وبذكر مآثرهم وأنسابهم.
الذي أراه، وبه يتسع مدلول المعنى، أن (آباءكم)، المقصود من هذه الكلمة ليس الآباء بعينهم فقط ولكنها ترمز إلى الناس كافة، وخصهم بالذكر لكون الأب أقرب المقربين، وأشده صلة بالإنسان
ولا يخفى ذلك.
روي عن بعض السلف أنه قال: (ذكر الناس داء، وذكر الله دواء)، قال الذهبي تعليقاً على قوله:(إيوالله ، فالعجب منا ومن جهلنا، كيف ندع الدواء، ونقتحم الداء).
ولكني أريد إضافة عبارة إلى ذلك القول المروي، نشهد بأنها عبارة خطيرة المعنى، وجميلة أيضاً هي:(ذكر الناس داء، إلا إذا كانوا أحباءَ)، جعل الله لنا حظاً من هذه العبارة، كما أوحاها إلينا، ومتعنا بأحبائنا، ورزقنا قربهم.
لماذا لا نذكر الله، ونكثر من ذكره، وندع ذكرَ البشر، وأقوالَهم وترهاتِهم وأكاذيبهم؟! إننا بذكر الله، نسمو إلى السماء، ونكسب أجراً، وبسواه ننجذب إلى التراب، ونكسب إثماً، والخير لا شك في السماء، لأنها لا تتآمر على أحد، وهي منبع الصفاء والعطاء والنور، وإنما البشر المنحطون هم الذين يتآمرون على بعضهم.
ليت الإنسان يذكر الله، ويذكر واجباته تجاه دينه ونفسه، إذن لصدق فيه قول الشاعر، الذي قال
بغزله ونسيبه في حبيبته: ولو أني أستغفرُ اللهَ كلما ذكرتكِ لم تُكتبْ عليّ ذنوبُ



