هناك صورٌ تمرّ أمام أعيننا ثم تمضي، وصورٌ أخرى لا تغادرنا مهما امتدّ بها الزمن؛ تبقى حاضرةً في الذاكرة، وكلما عدنا إليها شعرنا وكأننا نعيشها للمرة الأولى – ومن تلك الصور التي لا تغيب عن عيني، ذلك المساء الذي وقفت فيه أتأمل غروب الشمس على شاطئٍ ساحر، تتناثر على رماله الذهبية أشجار الدوم، بينما كانت الأمواج تتهادى نحو الشاطئ في هدوء، تتداخل معها أصوات الطيور البحرية، فتكتمل لوحة المساء.
وقفت طويلًا دون أن أشعر بالوقت، ولم أكن أنظر إلى البحر فحسب، بل كنت أنظر إلى شيء أبعد منه… إلى داخلي.
سرحت بين صفحات الذاكرة، أستعيد مواقف ووجوهًا وأيامًا ظننت أنني تجاوزتها، فإذا بها لا تزال تسكنني. أدركت حينها أن بعض الأماكن تمنحنا أكثر من جمالها؛ تمنحنا فرصة لنلتقي بأنفسنا بعيدًا عن ضجيج الحياة.
ومع اقتراب الشمس من الغياب، بدأ الليل ينسدل على الأفق، واختفت ملامح الغروب شيئًا فشيئًا. لم أشعر بالحزن، فقد أدركت أن بعض المشاهد لا تنتهي حين تغيب عن أعيننا، بل تبدأ حياتها الحقيقية داخل الذاكرة.
رحلت الشمس، وبقي لونها في عيني، وهدأت الأمواج، وبقي صوتها في أذني. ومنذ ذلك المساء، كلما وقفت أمام البحر، أدركت أنني لا أبحث عن الغروب وحده، بل عن ذلك الشعور الذي منحني إياه؛ عن لحظةٍ صادقة التقيت فيها بنفسي، وتركت للبحر أن يحمل بعض ما أثقل القلب.
فبعض الغروب لا ينتهي حين تغيب الشمس، بل يبدأ حين تسكن صورته في الذاكرة.


