قبل نحو أربعة عقود، كانت القرى والمناطق الساحلية جنوب المملكة تعيش حياة بسيطة، تتداخل فيها تفاصيل الإنسان مع الطبيعة بصورة أكبر مما هي عليه اليوم. وكانت الحدأة واحدة من الطيور التي اعتاد السكان مشاهدتها وهي تحلق في سماء القرى، خصوصًا فوق المزارع والمناطق المفتوحة، بحثًا عن غذائها.
وفي تلك السنوات، كان الأطفال يقضون معظم أوقاتهم خارج المنازل، يتنقلون بين السكك والشوارع الترابية والمزارع والساحات المفتوحة، بعيدًا عن وسائل الترفيه الحديثة ، ومع وجود الحداة في محيط القرى، كان الأهالي يحذرون أبناءهم من الاقتراب منها أو حمل الطعام في الأماكن المكشوفة، خشية أن تقترب منهم بصورة مفاجئة.
جزء من المشهد اليومي
ويتذكر كبار السن أن الحداة كانت جزءًا من المشهد اليومي في كثير من القرى الساحلية؛ تحلق عاليًا ثم تهبط بحثًا عن الغذاء، وقد تقترب أحيانًا من أماكن وجود الأطفال، الأمر الذي كان يثير الخوف بينهم، ويدفعهم إلى الابتعاد عن المكان والاحتماء بالمنازل.
وكانت طبيعة الحياة آنذاك أكثر ارتباطًا بالبيئة؛ فالمزارع والأشجار والمناطق المفتوحة تحيط بالقرى، وكانت الحداة تجوب تلك المواقع بحثًا عن غذائها، في مشهد مألوف لدى سكان القرى والسواحل.
التعامل قائم على المعرفة
ويشير كبار السن إلى أن التعامل مع الحداة كان قائمًا على المعرفة المتوارثة؛ فالآباء والأمهات كانوا يعلمون أبناءهم عدم استفزاز الطيور أو الاقتراب منها، ويحذرونهم من الأماكن التي اعتادت الحداة التحليق فوقها.
تبدل أنماط الحياة
ومع مرور أربعة عقود، تغيرت ملامح القرى الساحلية بشكل كبير؛ توسعت العمران، وتطورت الطرق والخدمات، وتبدلت أنماط الحياة، وأصبح الأطفال أقل ارتباطًا بالساحات والمزارع المفتوحة – إلا أن ذكريات الحداة لا تزال حاضرة في ذاكرة جيل عاش تلك المرحلة، حين كانت أصواتها وحركتها في السماء مشهدًا مألوفًا من مشاهد الحياة اليومية.
كانت الحداة يومها جزءًا من طبيعة المكان، لكنها في ذاكرة أبناء القرى بقيت مرتبطة بذكريات الطفولة؛ طائرٌ يحلّق في السماء بحثًا عن غذائه، وأطفال يراقبونه بحذر، وأمهات وآباء يطلقون التحذيرات من الاقتراب منه.
حكاية من حكايات الساحل
إنها حكاية من حكايات الساحل قبل أربعة عقود، حين كانت الحياة أكثر بساطة، وكانت الطبيعة حاضرة في تفاصيلها الصغيرة والكبيرة، وحين كانت الحداة تحلّق فوق القرى، فتترك في ذاكرة الأطفال خوفًا لا تنساه السنوات.


