حين تلتقي بشخصية مثل الأستاذ بلغيث بن عمر باحداد، تدرك أن الزراعة ليست مجرد مهنة أو هواية عابرة، بل مشروع حياة متكامل تصنعه التجربة والإصرار والشغف – فعلى مدى أكثر من ثلاثة عقود قضاها في ميدان التعليم معلماً للفنون، ظل يحمل في داخله عشقاً للأرض والزراعة والعمل اليدوي، متنقلاً بين التجارب الزراعية والاستزراع السمكي والترحال واستكشاف تجارب الشعوب في الإنتاج الزراعي والغذائي.
وفي مزرعته الواقعة بوادي حلي، حيث تتجاور أشجار المانجو مع التجارب الزراعية المتنوعة، استضاف الأستاذ بلغيث صحيفة “ عين ” الإخبارية في لقاء اتسم بالصراحة والواقعية، تحدث خلاله عن نجاحات حققها بجهوده الذاتية، وعن تحديات ما زالت تواجه المزارعين والمنتجين المحليين، مؤكداً أن أكبر العقبات لا تكمن في الإنتاج بقدر ما تكمن في التسويق والتصنيع والاستفادة من المنتجات الزراعية.
استزراع الاسماك
ويستعيد باحداد إحدى أبرز تجاربه الزراعية من خلال مشروع استزراع الأسماك الذي بدأه قبل سنوات، حيث نجح في إنتاج كميات جيدة من أسماك البلطي داخل أحواض خاصة بالمزرعة، وحقق المشروع نتائج فنية مشجعة من حيث النمو والإنتاج، إلا أن رحلة النجاح توقفت عند بوابة التسويق.
ضعف الطلب
ويقول إن المشكلة لم تكن في تربية الأسماك أو جودة المنتج، بل في ضعف الطلب على بعض الأنواع المستزرعة داخل المنطقة ، إضافة إلى اشتراطات النقل والتسويق وتدني الأسعار مقارنة بحجم الجهد والتكاليف التشغيلية، الأمر الذي جعل الاستمرار في المشروع أمراً بالغ الصعوبة.
ضعف التسويق
ويؤكد أن هذه التجربة كشفت له حقيقة مهمة تتمثل في أن المزارع قد ينجح في الإنتاج، لكنه يحتاج إلى منظومة متكاملة تساعده على تسويق منتجاته والوصول إلى المستهلك بصورة عادلة ومربحة – ورغم التحديات التي واجهها، لا يزال باحداد مؤمناً بقدرة المزارع السعودي على النجاح وتحقيق الإنجاز ، متى ما توفرت له المعرفة والدعم الفني والتدريب المتخصص، مشيراً إلى أن المزارع لا يبحث دائماً عن الدعم المالي بقدر حاجته إلى الخبرة العملية والإرشاد الزراعي الحديث.
الصناعات التحويلية
ويضيف أن كثيراً من المنتجات الزراعية المحلية تفقد جزءاً كبيراً من قيمتها الاقتصادية بسبب غياب الصناعات التحويلية، مستشهداً بتجارب شاهدها خلال رحلاته إلى عدد من الدول، حيث يتم تحويل فائض الإنتاج الزراعي إلى منتجات مجففة أو معلبة أو مصنعة تدر عوائد اقتصادية مرتفعة وتحد من الهدر الموسمي.
وفي هذا السياق، يشير إلى أن محصول التين والطماطم والمانجو باعتبارها نماذج لمنتجات يمكن الاستفادة منها بصورة أكبر من خلال التجفيف والتعبئة والتغليف والتصنيع الغذائي، مبيناً أن المزارع بحاجة إلى ورش عمل وبرامج تدريبية متخصصة تعلمه كيفية تحويل المحصول من مادة خام إلى منتج اقتصادي مستدام.
وادي حلي والمانجو
وعن وادي حلي، يؤكد باحداد أن الوادي يعد من أهم البيئات الزراعية المنتجة للمانجو في المملكة، ويضم أعداداً كبيرة من الأشجار المثمرة التي تشكل ثروة زراعية حقيقية، إلا أن الاستفادة الكاملة من هذا المنتج تتطلب التوسع في الصناعات الغذائية والتسويق المحلي والخارجي، بما يضمن رفع القيمة الاقتصادية للمحصول ودعم المزارعين.
أساليب زراعية آمنة
كما يشدد على أهمية الزراعة العضوية والمحافظة على سلامة المنتجات الزراعية، مؤكداً أنه يحرص على اتباع أساليب زراعية آمنة والابتعاد عن الممارسات التي قد تؤثر على صحة المستهلك أو جودة المنتج معتبراً أن الثقة التي يمنحها المستهلك للمنتج المحلي تمثل رأس المال الحقيقي للمزارع.
رأس مال وتجهيزات خاصة
وعن مشاريع الاستزراع السمكي في المنطقة، يرى باحداد أنها مشاريع واعدة وقادرة على تحقيق نجاحات كبيرة، لكنها تحتاج إلى رأس المال مناسب وتجهيزات متخصصة ودراسات فنية دقيقة تضمن استدامتها وقدرتها على مواجهة التحديات البيئية والتسويقية.
رسالة باحداد عبر ” عين ”
ويختتم حديثه برسالة يوجهها إلى الجهات المعنية والمزارعين على حد سواء، مفادها أن مستقبل الزراعة لا يبنى بالإنتاج وحده، بل بالمعرفة والتدريب والتصنيع والتسويق، مؤكداً أن المزارع لا يحتاج إلى من يعدد أخطاءه، بل إلى من يأخذ بيده نحو التطوير، ويمنحه الأدوات التي تمكنه من تحويل جهده إلى قصة نجاح مستدامة تسهم في خدمة الوطن وتعزيز أمنه الغذائي.


