لم يكن قرار مجلس الوزراء في جلسته المنعقدة يوم الثلاثاء الماضي ٢٠٢٦/٦/٢٣ الموافق ١٤٤٨/١/٧ -هجريه والقاضي بإنشاء المنظومة الوطنية للتعليم والتطوير الكروي، قرارًا إداريًا عابرًا، بل كان إعلانًا عن مرحلة جديدة في مسيرة الرياضة السعودية، وتجسيدًا عمليًا لرؤية وطن تؤمن بأن الإنجازات الكبرى لا تُصنع بالصدفة، وإنما تُبنى بالتخطيط، وتترسخ بالمؤسسات، وتستدام بالاستثمار في الإنسان.
إن هذا القرار يعكس بوضوح حجم الاهتمام الذي توليه القيادة الرشيدة للرياضة، بوصفها أحد روافد التنمية الوطنية، وأحد المسارات التي تسهم في تحقيق مستهدفات رؤية المملكة 2030. فهو لا يقتصر على تطوير أداء اللاعبين أو تحسين نتائج المنتخبات، بل يؤسس لمنظومة وطنية متكاملة تُعنى باكتشاف المواهب، وتأهيلها، وتطويرها، وصناعة الكفاءات الفنية والإدارية والتعليمية القادرة على قيادة الرياضة السعودية جيلاً بعد جيل.
فالرياضة ليست مجرد مباراة تُلعب، ولا هدف يُسجَّل، ولا منصة تتزين بالميداليات، بل هي في عمقها مشروع حضاري طويل النفس، تُبنى لبناته في عقول الأطفال قبل أقدام اللاعبين، وفي الرؤية قبل التنفيذ، وفي الإنسان قبل الإنجاز.
وما حمله هذا التوجيه الكريم يعكس فهماً عميقاً لمعنى صناعة المستقبل، فالأمم التي تبحث عن القمة لا تنتظر ظهور المواهب صدفة، بل تصنع البيئة التي تُنبتها، وتبني المنظومة التي ترعاها، وتؤسس الطريق الذي يقودها إلى المجد بثبات واستدامة. ومن هنا تتجلى الحكمة في الانتقال من مرحلة صناعة اللاعب إلى مرحلة صناعة المنظومة بأكملها؛ منظومة تبدأ من الطفولة، وتعبر مراحل العمر المختلفة، وتستثمر في الإنسان علماً وتدريباً وتأهيلاً وإدارةً وقيادة.
إن هذا التوجه الوطني المبارك يؤكد أن الرياضة في المملكة لم تعد نشاطًا هامشيًا، بل أصبحت جزءًا من مشروع التنمية الشامل الذي تقوده رؤية المملكة 2030، رؤية تؤمن بأن بناء الإنسان هو الاستثمار الأعظم وأن التفوق الرياضي لا ينفصل عن التفوق الحضاري والمعرفي والاقتصادي.
واللافت في هذا المشروع أنه لم يقف عند حدود تنمية المهارة واللياقة البدنية، بل امتد ليشمل بناء القدرات البشرية التي تكتشف، وتدرّب، وتؤهل، وتقود، وتدير، ليصبح العمل الرياضي عملاً مؤسسيًا متكاملاً تتعاقب عليه الأجيال دون أن تنقطع مسيرته أو تتوقف منجزاته. فالبطولات العظيمة لا تصنعها الأقدام وحدها، بل تصنعها العقول التي تخطط، والقيادات التي تدعم، والمؤسسات التي تؤمن بأن النجاح المستدام لا يولد من اللحظة، بل من التخطيط البعيد.
إنها رسالة واضحة بأن المملكة لا تفكر في حاضر الرياضة فحسب، بل في مستقبلها لعقود قادمة، وأنها تبني بنية تحتية بشرية ومعرفية ورياضية قادرة على مواكبة طموحات الوطن، وحمل رايته في المحافل العالمية، وإبقاء اسم السعودية في المكانة التي تليق بها بين الأمم.
شكراً لوطنٍ جعل من الحلم خطة، ومن الرؤية واقعًا، ومن الإنسان محور التنمية. وشكرًا لقيادةٍ آمنت بأن الاستثمار في الأجيال هو الطريق نحو المستقبل، وأن القمم الرياضية لا تُنال بالأمنيات، بل تُبنى برؤية وطن، وتُصان بالعمل، وتُحفظ بالتخطيط، لتبقى المملكة – بإذن الله – في قمة القمة، حاضرًا ومستقبلاً.


