حين تسأل برنامج ذكاء اصطناعي سؤالاً فيجيبك في ثوانٍ، يبدو الأمر كالسحر. لكن خلف هذه الثواني مبنى ضخماً اسمه “مركز البيانات”، وفيه آلاف الحواسيب القوية تعمل ليلاً ونهاراً. وهذا المبنى يشبه مطبخاً كبيراً، لا يعمل إلا إذا اجتمعت فيه أربعة مكونات. تعال نتعرف عليها.
المكون الأول : الأرض. المطبخ الكبير يحتاج مكاناً يُبنى عليه ، وأحياناً تكون هذه المراكز ضخمة جداً، حتى إن شركة أمريكية تخطط لمركز يغطي جزءاً كبيراً من مساحة مدينة مانهاتن ، وبلادنا، بحمد الله، واسعة المساحة، وهذه ميزة حقيقية.
المكون الثاني: الشرائح (GPU). هي العقل المفكّر في المطبخ، وهي مثل المحرك في السيارة. كلما كانت أقوى، فكّر الحاسوب بشكل أسرع. وآلاف الشرائح تعمل معاً لتجيب عن أسئلة الملايين.
المكون الثالث : الكهرباء. الشرائح كالرياضي الذي يجري طوال اليوم، فيحتاج إلى طعام كثير. وطعامها هو الكهرباء. وفي أحد التقارير أن سؤالاً واحداً لبرنامج ChatGPT يستهلك كهرباء تعادل نحو عشرة أضعاف بحث عادي في غوغل. تخيل الملايين من الأسئلة كل يوم! ولهذا قد تنتظر المشاريع الجديدة في بعض الدول نحو خمس سنوات حتى تُوصل بالشبكة الكهربائية، وهذا وقت طويل.
المكون الرابع : الماء. حين تجري وتتعب تتعرق ويبرد جسمك، وكذلك الشرائح تسخن جداً وتحتاج إلى تبريد، وأحد أشهر طرق التبريد يستخدم الماء. وهنا الأمر مهم لنا، لأن المملكة من أكثر دول العالم قلة في المياه الطبيعية، فليس لدينا أنهار جارية، ونعتمد كثيراً على تحلية ماء البحر. لذلك سنحتاج إلى تقنيات تبريد ذكية توفر الماء.
وأين نحن من هذه الوصفة ؟ تقول شركة Alvarez & Marsal إن سعة مراكز البيانات في المملكة اليوم نحو 410 ميغاواط، وقد ترتفع إلى قرابة 1 غيغاواط (أي نحو ضعفين ونصف) بحلول 2030. وتقول إن نصيب الفرد عندنا نحو 12 واطاً، أي ما يعادل مصباحاً صغيراً، بينما يبلغ في الإمارات وأمريكا نحو 50 واطاً، أي أكثر من أربعة أضعاف. هذا يعني أن أمامنا فرصة كبيرة للنمو. وقدّرت الشركة أن تنفيذ جزء من المشاريع المعلنة قد يحتاج بين 28 و42 مليار دولار. والتحدي الأكبر في رأيها ليس المال، بل أن يوجد عملاء كبار يوقّعون عقوداً طويلة، وأن تصل الكهرباء في الموعد.
فالفائز في السباق ليس من يبني أكبر مبنى، بل من يجمع المكونات الأربعة بحكمة: أرضاً مناسبة، وشرائح قوية، وكهرباء كافية، وماءً موفَّراً.
وسؤالي لك: لو كنت مسؤولاً عن بناء أول مركز بيانات في مدينتك، فأين تبنيه ؟ وكيف تحافظ على الماء والكهرباء ؟ فكّر في إجابتك، فقد تكون شريكاً في الحل بعد سنوات.
د. شادي بن عيسى حولدار

