صعوبة البدايات

من الحكم المأثورة قولهم: (العبرة بكمال النهايات، لا بنقص البدايات). وهي حكمة صادقة لأنها منطبقة على واقع الإنسان بحياته، فالبداية لا بد أن يشوبها ضعف أو نقص يتعثر به الإنسان حتى يقوى ويستويَ على طريقة مستقيمة، كحال الطفل الوليد، الذي يخطو رويداً رويداً حتى يسيرَ سوياً على قدميه.
إذاً لا يحزننّك ما تواجهه في بداية مطلعك من صعوبة ونقص، فذلك شأن أي بداية عند أي إنسان، بل عند أي كائن حي، فهذه الشجرة التي تراها باسقة متفرعة تصافح السماء، كانت بالأمس شُجيرة تصارع الرياح والأمطار، من أجل الحياة والبقاء، واليوم امتدت جذورها راسخة في الأرض، لا يكاد الموت ينال منها شيئاً، وتضحك بوجه ما يقابلها من خطوب الدهر ونوائبه.
بل إن الواقع يقول لنا بأنه كم من إنسان كانت بدايته الأولى لا تبشر بما صار إليه في مستقبل حياته، وما بلغه من مجد وسيرة عظيمة، فهذا العالم الفيزيائي الفذ، أنيشتاين، كان طفلاً بليداً خاملَ الذهن، يقيده الخجل، حتى إنه تأخر في النطق، وظن والداه أنه طفل غير طبيعي.
وهذا العالم والمخترع العظيم، توماس إديسون أيضا، كان طالباً فاشلاً في تعليمه المدرسي، يحصل على أدنى الدرجات وأدناها من، بين زملائه، حتى يئس منه أساتذته وقالوا بأنه ضعيف العقل أبْله، لا سبيل إلى تعليمه، دفعهم إلى هذا القول أيضا شكل رأسه الغريب، ثم … ثم لا يحتاج أن أذكّرَك بما بلغ شأنه في العلم، وقد ساهم في إنارة ظلمة العالم الحديث، وتغيّر أحداثه. ولكن لا بد أن نلتفت ونذكُر أن هذين العالمين، وغيرِهما من نماذج مشابهة، لم يكونا بلا شك في إهمال أوأذى وخذلان من الوالدين والأهل عامة.
كل ما على الإنسان هو ألا يتوقف ولا ييأس وأن يواصل العمل والاجتهاد دون أن ينتظر النتائج ولا يستعجل حدوثها، عليه أن يعمل فقط وأن يؤدي ما عليه ولا شأن له بالآخرين، أعملوا أم لم يعملوا، أحسنوا أم أساءوا، إذ ليس عليهم بوكيل ولا حسيب الله هو من سيحاسبهم ويحاسبه، ويجازي كل امرئ بما عمل، بعدله وفضله، ولا يظلم ربك أحدا.
وثمة أمر في غاية الأهمية، ويمثل أكبر تحدٍ للإنسان، هو النظر في مؤثرات الوراثة والبيئة، بعين العقل والحكمة، لكي يتجرد من القبيح إن وجد، ويتمسك بالحسن إن وجد، ومؤثرات الوراثة والبيئة أراها من أشد ما يواجه الإنسان بحياته من صعوبات والحقيقة أن الدنيا دار الصعوبات والامتحانات، والناجح المنتصر هو من تغلب عليها صابراً، وخرج منها قوي الإيمان، ناظراً إلى السماء، متحرراً من الأغلال، التي تقيده أو تجره ليقبعَ في أسفل سافلين.
المهم من شأنك والذي عليه المدار، ويعتبر أساس البنيان، هو الإخلاص، إنه أساس التفوق والسداد، ولا قيام لأي عنصر ولا كِيان من دونه، وعليه المعوّل في استسهال الصعوبات ولو كانت مشقاتٍ، والله عز وجل لا يلتفت إلى غير المخلصين، ولا يعبأ بسواهم، وهو دائما معهم يؤيدهم بعونه وحفظه، ويثبت أقدامهم في أخطر المزالق، وأصعب المواقف، فلا يضرهم خذلان المخذّلين، ولا تثبيط المثبطين، وشرف النهايات وكمالها، من حظوظهم المكتوبة لهم.


