أسود التكبيس وورود الشير !

منذ أن أعادت منصة التيك توك تفعيل خاصية البث المباشر حتى ظهرت لنا الأعاجيب وأنقسم مرتادوها بين مؤيد ( يجني ) منها مكاسب يومية وآخرين معارضين اعتبروها مضيعة للوقت والمال ، بل ربما تمتد إلى تجاوز حدود الأدب وبخاصة لتلك المشاهد التي يحاول الكثير تسويقها من الجنس الناعم لغرض الجذب والتكسب بأجسادهن ومفاتنهن ، وقد ينتقل الحديث بعيداً إلى غرف الدردشة الخاصة وما قد يتبعها من اتفاقيات .
تأطير هذه المنصة وفق ثوابتنا أصبح من الضرورة بمكان وهيئة تنظيم الإعلام هي الجهة المنوطة بذاك التأطير ولعلها خلال الأيام المقبلة القادمة تضع لهذا ( المسخ ) والتسطيح والإنفلات حداً لا يتجاوزه ، وضابطاً لمن يرون في هذه النافذة ملاذاً لنشر ما قد يسيء للمجتمع بكافة أطيافه من خلال مشاهد لا ترقى إلى أن تعرض في بث ( خاص ) فكيف إذا سوقت عبر أثير المشاهير اللذين لديهم ملايين المتابعين والمهوسون بهم !
قصص مؤلمة يرويها الكثير ممن فقدوا أموالهم بسبب ( الدعم ) لمنصة البث في التيك توك فهذا محامي يقول جاءتني سيدة تريد رفع فسخ ( نكاح ) على زوجها والسبب تقول لأنها تطلبه أن يشتري لهم مقاضي البيت ويرفض لان راتبه ( خلص ) الذي يزيد عن 15 الف ريال قد ذهب في دعم مشاهير التيك توك !
وقصة أخرى لموظف استدان قرضاَ من البنك بقيمة 140 الف ذهب في أسبوع لدعم مشاهير التيك توك بالأسود والماسات والورود ، وثالث حلف بالله قائلاً أبي تاجر أقمشة وأنا ميسور الحال أنفقت مبلغ ثلاثة ملايين ريال في دعم مشاهير التيك توك على فترات متقطعة ثم وقفت مع نفسي وقلت أين أثر ذلك الدعم وحبذا أنها كانت لأفعال خيرية وإنسانية .
ختاماً لا ننكر أن تلك المنصة فيها أيضا من الخير الكثير فشاهدنا من يعلم الناس القرآن وأمور الخير في الدنيا والعلم النافع وأيضا البيع والشراء ومعرفة الأماكن ونشر الأخبار وغيرها الكثير مما لا يفسد على المرء أخلاقه ودينه وضياع أمواله ومرؤته .





الأستاذ العزيز / عبد الرحمن عاطف
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،
قرأت مقالك الموسوم بـ “أسود التكبيس وورود الشير”، فوجدت فيه صوتًا صادقًا لا يكتفي بوصف الظاهرة، بل يغوص في عمقها، كاشفًا ما وراء بريقها من ظلالٍ مقلقة، وما تحت سطحها من تحولاتٍ تستحق الوقوف عندها بوعيٍ ومسؤولية.
لقد أصبتَ – فيما ذهبت إليه – إصابة من يرى الصورة كاملة لا مجتزأة، فهذه المنصات، وعلى رأسها (التيك توك)، لم تعد مجرد وسيلة ترفيه، بل تحوّلت إلى فضاءٍ مفتوح تتقاطع فيه القيم مع المصالح، والوعي مع الاندفاع، والعطاء مع الاستنزاف. وبين هذا وذاك، يتشكل وعي الأفراد – سلبًا أو إيجابًا – وفق ما يُعرض عليهم وما ينجذبون إليه.
وما طرحته من نماذج واقعية مؤلمة، ليس مجرد حالات فردية، بل مؤشرات تستدعي التوقف، فحين تتحول “الهدايا الرقمية” إلى استنزاف مالي، وحين يُستبدل المعنى بالمظهر، والقيمة بالتصفيق، فإننا لا نتحدث عن ترفٍ رقمي، بل عن خللٍ يحتاج إلى معالجة جادة وسريعة.
وإننا إذ نتفق معك جملةً وتفصيلًا، فإننا نؤكد أن مسؤولية ضبط هذا المشهد لا تقع على الأفراد وحدهم، بل هي مسؤولية تكاملية، تتقدمها هيئة تنظيم الإعلام، بوصفها الجهة المعنية بتأطير المحتوى، ووضع الأطر التي تكفل بقاء المنصات ضمن حدود القيم، وتحمي المجتمع من الانزلاق نحو الفوضى الرقمية.
نحن بحاجة – وبصورة عاجلة – إلى تدخلٍ واعٍ لا يقمع الإبداع، لكنه يوجّه المسار، ويصنع بيئة رقمية تُعلي من شأن المحتوى الهادف، وتحدّ من مظاهر التسطيح والانفلات، وتضع ضوابط واضحة لمن يستغل هذه المنصات للإساءة أو الاستغلال أو العبث بثقافة المجتمع وقيمه.
ومع ذلك، لا يفوتنا أن نؤكد على ما أشرت إليه من جانبٍ مضيء، فهذه المنصات – إن أُحسن استخدامها – يمكن أن تكون منابر للعلم، ونوافذ للخير، وجسورًا للتواصل الإيجابي. لكن الفارق دائمًا بين من يستخدم الوسيلة، ومن تُسيّره الوسيلة.
ختامًا، أجدني مثمنًا لك هذا الطرح الواعي، وهذه الجرأة المسؤولة، التي لا تبحث عن الإثارة بقدر ما تبحث عن الإصلاح. فلك الشكر والتقدير على هذا القلم الذي يكتب بوعي، وينبّه بحكمة، ويضع يده على مكامن الخلل دون مواربة