هناك رجال يتركون أثرًا لا تمحوه السنون، لأنهم جعلوا خدمة الإنسان رسالةً قبل أن تكون وظيفة، ومن هؤلاء الدكتور مبارك الزهراني، أحد رواد العمل الصحي الذين أسهموا في تقديم الرعاية الطبية لأهالي تهامة والساحل في وقتٍ كانت فيه الخدمات الصحية والإمكانات الطبية محدودة.
ستة عقود من علماً وخبرة
قبل أكثر من ستة عقود، ابتُعث الدكتور مبارك الزهراني إلى جمهورية مصر العربية لدراسة التمريض، حيث حصل على شهادة مساعد ممرض، ثم عاد إلى وطنه حاملًا العلم والخبرة، مؤمنًا بأن التمريض رسالة إنسانية سامية قبل أن يكون مهنة. وبفضل إخلاصه وتفانيه في خدمة المرضى، ارتبط اسمه في ذاكرة الأهالي بلقب “الدكتور مبارك”، تقديرًا لما قدمه من عطاء ورعاية.
خدمات صحية شحيحة
وُلد في ناوان، إلا أن أثره تجاوز حدود مسقط رأسه، فكان يتنقل بين قرى تهامة والساحل والبادية، يحمل الدواء والأمل، ويقصد المرضى في منازلهم، في زمن كانت فيه وسائل النقل شحيحة والخدمات الصحية محدودة. ولم يتردد يومًا في مد يد العون لكل محتاج، فحظي بمحبة الناس واحترامهم، وأصبح أحد الوجوه الإنسانية البارزة في المنطقة.
صرف الأدوية
ومن المواقف التي لا تزال حاضرة في ذاكرة الأهالي، أنه خلال زيارات الشيخ سالم بن محفوظ للمنطقة، كانت تُجهز صيدلية شبه متكاملة بالأدوية، تُصرف منها العلاجات مجانًا للمرضى لمدة تقارب ثلاثة أشهر. وكان الدكتور مبارك يتولى الإشراف على استقبال المرضى وتشخيص احتياجاتهم وصرف العلاج لهم، بكل رحابة صدر ودماثة خلق، ساعيًا إلى التخفيف من معاناة الجميع.
العمل الحكومي
وفي نحو عام 1400هـ، التحق بالعمل الحكومي في مستوصف المظيلف، حيث واصل مسيرته المهنية بنفس الروح المخلصة، وظل يؤدي واجبه الإنساني والمهني حتى أُحيل إلى التقاعد قرابة عام 1418هـ، بعد رحلة حافلة بالعطاء والإخلاص.
سيرة إنسانية
ولم يكن إرث الدكتور مبارك الزهراني مجرد سنوات قضاها في الخدمة، بل سيرة إنسانية خالدة تجسدت في آلاف المرضى الذين خفف آلامهم، والقلوب التي كسب محبتها، والدعوات الصادقة التي رافقته طوال مسيرته. وستظل سيرته إحدى الصفحات المضيئة في تاريخ العمل الصحي بمنطقة تهامة، ونموذجًا يُحتذى به في الرحمة والإخلاص وخدمة المجتمع.
بقلم: سعدي عوض عبدالكريم الزهراني


