في مشهدٍ شدّ انتباهي أثناء زيارتي لأحد المستشفيات بمحافظة القنفذة، كان كبار السن يجلسون على المقاعد بوجوهٍ أثقلها التعب، وأعينٍ أنهكها الانتظار. تجاوزت الساعة الحادية عشرة والنصف صباحًا، بينما لا تزال أسماؤهم بعيدة عن النداء في العيادات الخارجية، وسط تذمّرٍ متصاعد وأسئلة تتكرر بمرارة: أين أولوية كبار السن؟ وأين التنظيم الذي يُفترض أن يراعي أعمارهم وظروفهم الصحية؟
كان أحد الإداريين يحاول تهدئتهم بقوله: ” تحملونا… لم يأتي دوركم بعد ” ، لكن المشهد بأكمله كان يعكس فجوةً أكبر من مجرد تأخير موعد؛ فجوة في الوعي والتنظيم والتثقيف المجتمعي.
كثيرٌ من المراجعين لا يدركون أهمية الالتزام بوقت الموعد المحدد، أو ضرورة الحضور قبل الموعد بعشر دقائق على الأقل، الأمر الذي يؤدي إلى ازدحامٍ يربك سير العمل داخل العيادات، ويضاعف من معاناة المرضى، خصوصًا كبار السن الذين لا تساعدهم ظروفهم الصحية على ساعات الانتظار الطويلة.
ورغم ذلك، لا يمكن تحميل كبار السن وحدهم مسؤولية هذا المشهد؛ فالكثير منهم لم تصله رسائل التوعية الكافية، ولم يُشرح له بطريقة مبسطة معنى الالتزام بالمواعيد الطبية وآلية الدخول للعيادات ، وهنا يبرز الدور الغائب للتثقيف الصحي والإعلامي، الذي يفترض أن يكون شريكًا أساسيًا في بناء ثقافة الانضباط واحترام المواعيد داخل المرافق الصحية.
نحن بحاجة إلى حملات توعوية مستمرة، لا تكتفي برسالة نصية مقتضبة، بل تصل إلى الناس عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل والمراكز الصحية، بأسلوبٍ واضح يناسب مختلف الفئات العمرية ، كما أن توفير مسارات أسرع لكبار السن، وتنظيم أولوية المراجعين بشكل أكثر دقة، لم يعد رفاهية، بل ضرورة إنسانية تحفظ كرامة المريض قبل صحته.
خاتمة
ليست جودة الخدمات الصحية في كثرة المباني أو تطور الأجهزة، وإنما في إنسانيتها قبل كل شيء؛ في احتواء المريض، واحترام وقته، وتقدير ضعفه، خصوصًا حين يكون شيخًا أثقلته السنون، وأرهقه الانتظار، ولم يعد يطلب سوى خدمة تحفظ كرامته وتخفف معاناته.


