يقف كثير من الشباب والشابات السعوديين اليوم على أعتاب الانتظار، يحملون شهاداتهم العلمية ومهاراتهم المهنية وطموحاتهم الكبيرة، لكنهم لا يزالون يبحثون عن فرصة عمل تمنحهم حق إثبات الذات والمشاركة في بناء مستقبلهم ووطنهم.
فمعاناة الباحثين عن العمل ليست مجرد أرقام وإحصاءات، بل هي قصص إنسانية تختلط فيها الأحلام بالتحديات. فكم من خريج وخريجة أمضوا سنوات في الدراسة والتأهيل واكتساب المهارات، ثم امتدت سنوات انتظارهم بعد التخرج دون أن يجدوا الفرصة التي تتناسب مع مؤهلاتهم وقدراتهم.
إن الأوطان لا تُبنى بالشهادات المحفوظة في الملفات، بل بالعقول التي تُمنح الفرصة لتعمل وتبدع وتنتج. ومن هنا تبرز أهمية المواءمة بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل، والتوسع في توفير الفرص الوظيفية الحكومية والأهلية بما يضمن الاستفادة من الطاقات الوطنية المؤهلة.
وقد أدركت رؤية المملكة العربية السعودية 2030 هذه الحقيقة مبكرًا، فجعلت الشباب والشابات في قلب مستهدفاتها التنموية، إيمانًا بأن الإنسان هو الثروة الأغلى، وأن تمكين الكفاءات الوطنية يمثل أساس التنمية المستدامة. ولذلك جاءت برامج الرؤية ومبادراتها لتطوير المهارات، ورفع نسب المشاركة في سوق العمل، وصناعة الفرص التي تمكن أبناء الوطن وبناته من الإسهام الفاعل في مسيرة التنمية.
وفي هذا السياق، يبرز تساؤل مشروع يطرحه كثير من الخريجين والخريجات إلى وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية، وهي الوزارة الحريصة على تمكين الكفاءات الوطنية وتوسيع فرص التوظيف: ماذا عن أولئك الذين مضت على تخرجهم سنوات طويلة وما زالوا ينتظرون فرصًا تتوافق مع تخصصاتهم وخبراتهم؟
إننا نثق في الجهود الكبيرة التي تبذلها الوزارة والجهات ذات العلاقة، ونتطلع إلى مزيد من المبادرات النوعية التي تستوعب هذه الطاقات الوطنية المؤهلة، لأن كل كفاءة وطنية تبقى خارج دائرة الإنتاج تمثل فرصة مؤجلة للوطن قبل أن تكون فرصة مؤجلة لصاحبها.
فالشباب والشابات لا ينتظرون إلا فرصة عادلة يترجمون من خلالها علمهم إلى عمل، وطموحاتهم إلى إنجاز. وهم يدركون أن وطنهم الذي استثمر في تعليمهم وتأهيلهم لن يغفل عن تطلعاتهم، وأن المستقبل يحمل لهم بإذن الله فرصًا أوسع للمشاركة في البناء والتنمية.
إن تمكين الشباب والشابات ليس مطلبًا فرديًا فحسب، بل استثمار وطني ينسجم مع مستهدفات رؤية 2030، ويعزز مسيرة التنمية والازدهار. وحين تجد الكفاءات الوطنية مواقعها الطبيعية في سوق العمل، فإن الوطن بأسره هو من يجني ثمار ذلك نجاحًا وتقدمًا واستقرارًا.
ونحن على يقين أن غدًا يحمل بشائر أفضل، وأن غدًا لناظره قريب .


مصهف علي