لو كانت التنمية تُقاس بعدد الرسائل المتبادلة في مجموعات واتس آب، لكانت بارق اليوم في مصاف المدن العالمية. ولو كان الاستثمار يتحقق بكثرة الحديث عنه، لكانت المحافظة قد سبقت كثيراً من المراكز الاقتصادية الكبرى. لكن المشكلة أن التنمية علم، بينما ما نمارسه أحياناً لا يتجاوز كونه انطباعات وآراء ومجاملات متبادلة.
عندما يمتلك شخص سيارة فارهة ولا يعرف قيادتها، فإن المشكلة ليست في السيارة. وعندما يشتري أحدث حاسوب ثم يعجز عن استثمار جزء يسير من قدراته، فالخلل ليس في الجهاز. وعندما يُنشأ مختبر حديث بأحدث التجهيزات ثم لا ينتج بحثاً أو اختراعاً واحداً، فإن العيب لا يكمن في المختبر بل في العقل الذي يديره.
وهذا بالضبط ما يحدث حين تختزل مفاهيم التطوير والاستثمار والتخطيط الاستراتيجي في محافظة كاملة داخل مجموعة واتس آب. وكأن حدود التنمية في بارق تبدأ من إشعار دخول المجموعة وتنتهي عند رسالة “تم الاطلاع”.
التنمية لا تُدار بالمحادثات السريعة، بل بالدراسات والبيانات والمؤشرات والمقارنات المعيارية وقياس الأثر. والاستثمار لا يأتي لأنه سمع عبارات جميلة عن المحافظة، بل لأنه وجد بيئة جاذبة ومشروعات واضحة وفرصاً مدروسة وعوائد متوقعة.
السخرية المؤلمة أن بعض المجتمعات تناقش الذكاء الاصطناعي والمدن الذكية وسلاسل الإمداد العالمية، بينما ما زلنا نتصرف وكأن أكبر منصة للتطوير الاقتصادي هي قروب واتس آب.
المشكلة ليست في بارق، فبارق تملك الموقع والإنسان والفرص والتاريخ. المشكلة الحقيقية هي عندما نعتقد أن الحديث عن التنمية هو التنمية نفسها، وأن تبادل الرسائل إنجاز، وأن النقاش بديل عن العمل. عندها يصبح قروب واتس آب مشروعاً تنموياً، وتصبح التنمية مجرد إشعار جديد على شاشة الهاتف.


غرفة الأخبار