في كل صباح، وقبل أن يبدأ يوم العمل بزحامه ومواعيده ومسؤولياته، هناك طقس صغير أصبح جزءًا من تفاصيل يومنا؛ قهوة اليوم – نغادر المنزل متجهين إلى العمل، وقبل أن نصل إلى مقر الدوام تكون الخطوة الأولى قد أصبحت معروفة؛ المرور بأحد المقاهي، طلب كوب القهوة، ثم مواصلة الطريق. لم تعد القهوة مجرد مشروب نتناوله في الصباح، بل تحولت إلى عادة يومية تمنحنا شعورًا ببداية جديدة، وكأن أول رشفة منها تقول لنا: هيا.. لقد بدأ اليوم.
ولعل أجمل ما في القهوة أنها لا تمنحنا مذاقها فقط، بل تمنحنا لحظة هدوء وسط عجلة الصباح؛ رائحة تعبئ المكان، وبخار يتصاعد من الكوب، ورشفة توقظ الحواس وتمنح النفس شيئًا من النشاط والحيوية قبل الدخول في تفاصيل يوم العمل.
وفي اليوم العالمي للقهوة، الذي يصادف الأول من أكتوبر من كل عام، تبدو الحكاية أكبر من كوب نتناوله على عجل؛ فالقهوة في المملكة جزء من ثقافة راسخة، وإرث اجتماعي ارتبط بالكرم وحسن الضيافة، إلى جانب كونها محصولًا زراعيًا وطنيًا تتنامى العناية به عامًا بعد آخر.
ومن بين جبال الجنوب، تأتي حكاية البن الخولاني السعودي، المرتبط بمدرجات جبال جازان، ومنها محافظة فيفا، حيث تبدأ رحلة القهوة من شجرة تعانق الجبل، ومزارع يعتني بها حتى تتحول ثمارها إلى حبوب تحمل نكهة المكان وذاكرة الإنسان.
وفي كل صباح، حين نرفع كوب القهوة، قد لا نفكر في الرحلة التي قطعتها الحبة؛ من الجبل إلى يد المزارع، ثم التحميص، حتى تصل إلى فنجاننا. إنها حكاية وطن تختصرها حبة بن، تجمع الأرض والإنسان والتراث في مذاق واحد.
أما قهوتي، فستبقى أكثر من مجرد مشروب صباحي؛ إنها طقس يومي، ورشفة أولى تعلن بداية يوم جديد من النشاط والحيوية.


