كان الطفل يقف طويلًا أمام المطر، يمد يده لقطراته وكأنه يكتشف العالم للمرة الأولى واليوم قد يهطل المطر أمامه، بينما عيناه معلقتان بشاشة تعرض له ألف مشهد أكثر إثارة، فمتى أصبحت الأشياء الجميلة عادية إلى هذا الحد؟
نعيش في زمن يصل فيه كل شيء قبل أن نشتاق إليه، الخبر قبل أن نبحث عنه والصورة قبل أن نتخيلها والمكان قبل أن نزوره، كثرة المشاهد أرهقت حواسنا، حتى أصبح المدهش مألوفًا والاستثنائي سريع النسيان واللحظة الجميلة محتاجة إلى توثيق كي نشعر بقيمتها.
ربما لم يسرق أحد دهشتنا وربما تركناها تتسرب بين إشعار وآخر وبين مقارنة وأخرى وبين سباق مستمر نحو القادم، صرنا نصور اللحظة قبل أن نعيشها ونفكر كيف ستبدو للآخرين قبل أن نسأل أنفسنا: ماذا تعني لنا؟
الدهشة ليست سذاجة، إنها قدرة على الانتباه لما اعتدناه حتى غاب عن وعينا، أن تكتشف في صوت والدتك دفئًا لم تنتبه إليه وفي شارعك بعد المطر ملامح جديدة وفي نجاح صغير معنى لا يحتاج إلى تصفيق.
لسنا بحاجة إلى حياة أكثر إثارة وإنما إلى عين أقل اعتيادًا وقلب يمنح التفاصيل وقتها، فالدهشة لا تحتاج حدثًا استثنائيًا، يكفي أن نبطئ قليلًا لنرى ما كان أمامنا دائمًا.
فربما لم يفقد العالم جماله، نحن فقط مررنا بجانبه مسرعين.
فمن سرق دهشتنا… أم أننا نحن من تنازل عنها؟


