راعي أغنام يكشف قاعدة اسرائيلية سرية غرب النجف بالعراق

في قلب الصمت المطبق للصحراء الغربية العراقية، حيث تبتلع الرمال الأسرار بقدر ما تخفي المسافات، تكشّفت واحدة من أكثر العمليات العسكرية تعقيدا وغموضا في العصر الحديث. “قاعدة شبح” أُقيمت في عتمة الليل وبعلم الكبار، لتكون منصة انطلاق متقدمة في صراع إقليمي محتدم، قبل أن يزيح الستار عنها بلاغ من راعي أغنام بسيط، وينتهي الأمر بجثة محترقة وتوتر دبلوماسي دولي.

بلاغ الفجر

تبدأ فصول الحكاية في أوائل مارس/ آذار 2026، وتحديداً في منطقة “النخيب” الوعرة الممتدة بين النجف والأنبار. هناك، حيث تبعد الأرض نحو 180 كيلومتراً غرب مدينة النجف وقرابة 400 كيلومتر عن الحدود الإيرانية، رصد راعي الأغنام العراقي عواد هادي علي الزكروطي الشمري نشاطا ناشزا عن طبيعة المكان : طائرات مروحية “هليكوبتر” تحط وتُقلع، آليات عسكرية ثقيلة، وتحركات منظمة لم تكن مألوفة في تلك المنطقة المعزولة التي تبعد 80 كيلومتراً فقط عن الحدود السعودية.

الشمري، الذي تحول اسمه لاحقا إلى “الشاهد الأول” والمحوري في القضية، لم يتردد في إبلاغ السلطات الأمنية.

وفي فجر الرابع من مارس/ آذار، تحركت قوة استطلاع عراقية تستقل عربات “همفي” باتجاه الموقع، ظنا منها أنها ستواجه تحركات روتينية لقوات أميركية. لكن المفاجأة كانت “نيراناً كثيفة” وقوة مجهولة مدعومة بغطاء جوي، اندلعت على إثرها اشتباكات عنيفة أدت إلى مقتل جندي عراقي وإصابة اثنين آخرين، فضلاً عن إعطاب آليتين عسكريتين، مما أجبر القوة العراقية على الانسحاب.

أرسل الجيش العراقي وحدتين إضافيتين من جهاز مكافحة الإرهاب لتفتيش المنطقة، حيث عثروا على مؤشرات لوجود قوات أجنبية، لكنهم لم يقتربوا أكثر بعد تحذير أميركي غامض بعدم الاقتراب لأسباب أمنية.

هندسة القاعدة: مركز لوجستي بمواصفات “الكوماندوز”

وفقاً لما كشفته “وول ستريت جورنال” ومصادر أمنية عبرية مثل “معاريف” و”يديعوت أحرونوت”، فإن هذه القاعدة لم تكن مجرد مهبط مؤقت، بل مركز لوجستي متقدم أنشأته إسرائيل قبيل اندلاع الحرب ضد إيران وبعلم مسبق من الولايات المتحدة.

القاعدة صُممت لتقليص “المسافة العملياتية” لسلاح الجو الإسرائيلي، مما يعزز سرعة الاستجابة في حالات الطوارئ. ولم يقتصر الأمر على الوقود والذخيرة، بل ضمت القاعدة:

  • وحدات “كوماندوز” خاصة : لتنفيذ مهام حساسة في عمق أراضي الخصم.
  • فرق البحث والإنقاذ (CSAR): نُشرت خصيصا تحسبا لاحتمال إسقاط طائرات إسرائيلية فوق إيران، لضمان إجلاء الطيارين بسرعة قبل وقوعهم في الأسر.
  • وحدات طبية جراحية: مجهزة لإجراء عمليات طارئة ومعقدة لإنقاذ أرواح المقاتلين والطيارين في الميدان.

هذا النشاط السري أكده تلميحا قائد سلاح الجو الإسرائيلي الأسبق، تومر بار، حين وجه رسالة لعناصره مطلع مارس/اذار تحدث فيها عن وحدات نخبة تنفذ “مهام استثنائية قد تلهب الخيال”.

رغم الحيطة الشديدة، لم تخلُ العمليات من الحوادث. كشفت تقارير عبرية عن “حادث أمني خطير” وقع أثناء محاولة إقلاع مروحيتين لنقل القوات. وبسبب عاصفة رملية مفاجئة حجبت الرؤية، وقع خطأ بشري أدى إلى انقلاب مروحية على جانبها واصطدامها بالثانية.

انتهت الحادثة “بأعجوبة” دون وقوع إصابات بشرية، لكن المروحية المنقلبة تعرضت لأضرار بالغة نُقلت على إثرها فوراً إلى قاعدة “تل نوف” في إسرائيل لإعادة تأهيلها، بينما أصلحت الفرق الفنية المروحية الثانية في الموقع تحت جنح الظلام.

على الجانب الرسمي العراقي، سادت حالة من التضارب والارتباك. فبينما نفت مصادر أمني وجود تمركز إسرائيلي دائم، مؤكدة أن المنطقة خالية سكنيا وأمنيا، أقر المصدر نفسه برصد أجهزة تشويش وإنذار متطورة في “وادي شنان”.

كما أشار إلى تنفيذ عمليات إنزال جوي (يُعتقد أنها بسبع مروحيات) في باديتا النجف والسماوة دون تنسيق مع بغداد، مرجحاً أن القوات قد تكون أميركية لا إسرائيلية.

لكن التحذير الأميركي بضرورة عدم اقتراب الجيش العراقي، إلى جانب صور الأقمار الصناعية التي أظهرت منشآت وبنية عسكرية متسارعة التطور تشمل مدرجاً بطول 1.6 كيلومتر، كان كافيا ليثير غضبا شعبيا واسعا دفع البرلمان لاستدعاء وزيري الدفاع والداخلية، في حين قدمت بغداد شكوى للأمم المتحدة تتهم واشنطن بالضلوع غير المباشر في هذا الانتهاك.

نهاية غامضة للشاهد الوحيد

لم تنتهِ القصة عند التوتر السياسي، بل اتخذت منحى تراجيديا ومريبا، ففي 6 مارس/آذار، أي بعد يومين فقط من الاشتباكات التي أعقبت بلاغه، عثرت المصادر الأمنية على جثة الراعي عواد الشمري داخل مركبته المحترقة في منطقة “شنانة” بصحراء النخيب.

وعلى الرغم من فتح تحقيق رسمي ونقل الجثمان للطب العدلي، إلا أن ملابسات وفاته ظلت طي الكتمان، مما غذّى الروايات التي تربط تصفيته بمحاولة إغلاق ملف القاعدة السرية نهائياً.

بينما يرفض الجيش الإسرائيلي التعليق رسمياً، نقلت هيئة البث الإسرائيلية عن مسؤول رفيع أن انكشاف هذه المعلومات ألحق “ضرراً بالغاً بالأمن الإسرائيلي”، ملمحا إلى وجود صراع إرادات دولي لمنع تجدد الحملات العسكرية ضد إيران.

تبقى صحراء النخيب اليوم صامتة، لكن حطام المروحيتين، والمدارج الممتدة في قلب الفراغ، وجثة الراعي المغدور، كلها تفاصيل ترسم صورة لقاعدة لم تكن يوماً وهما، بل كانت “رأس حربة” في حرب لم تضع أوزارها بعد.

والمنطقة الممتدة من صحراء النخيب وصولا إلى حدود النجف والأنبار، تعد جزءا من جغرافيا معقدة تبلغ مساحتها آلاف الكيلومترات المربعة، وهي مساحة لطالما شكلت تحديا استراتيجياً للدولة العراقية لعدة أسباب، حيث تفتقر القوات العراقية إلى منظومات مراقبة متكاملة (رادارات وكاميرات حرارية بعيدة المدى) تغطي عمق البادية.

ويجعل هذا الفراغ التقني من رصد التسلل الجوي المنخفض أو التحركات البرية الصغيرة أمراً شبه مستحيل دون الاعتماد على “المصادر المحلية” (مثل رعاة الأغنام)، وهو ما يفسر تأخر الاستجابة الأمنية في حادثة النخيب.

وتخضع هذه المناطق لسيطرة مشتركة بين قطعات الجيش، وقوات حرس الحدود، وفصائل من الحشد الشعبي. هذا التعدد في مراكز القرار يؤدي أحياناً إلى “فجوات تنسيقية” تستغلها القوى الخارجية أو الجماعات المسلحة للتحرك في مناطق “الارتباك الإداري” بين المحافظات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى