أفراح الوداع ومشاهد التكافل في رحلات الحج قديماً بالقنفذة

على امتداد الساحل الغربي جنوب منطقة مكة المكرمة، عاشت محافظة القنفذة وضواحيها عبر عقود طويلة أجواءً استثنائية مع اقتراب موسم الحج، حيث يتحول وداع الحجاج إلى مناسبة اجتماعية كبرى تختلط فيها مشاعر الفرح والرهبة والدعوات الصادقة، في صورة تجسد عمق الترابط بين الأهالي وتعظيمهم لشعيرة الحج.

رحلة الحج الشاقة والطويلة 

وقديماً، لم تكن رحلة الحج سهلة كما هي اليوم، بل كانت رحلة شاقة وطويلة تستغرق أسابيع وربما أشهراً، الأمر الذي جعل الأهالي يحيطون الحجاج بعناية خاصة قبل موعد الرحيل، إدراكاً لما ينتظرهم من مشقة السفر وطول الطريق.

وكانت القرى الساحلية الممتدة من القنفذة إلى حلي والمظيلف وسبت الجارة والقرى المجاورة تعيش حالة من الاستعداد المبكر، فتقام الولائم الشعبية، وتفوح روائح القهوة العربية والبخور في المجالس، بينما يتوافد الأقارب والجيران لتوديع الحجاج وطلب الدعاء منهم عند وصولهم إلى الديار المقدسة.

تجهيز الحجاج ومساعدتهم 

واشتهر أهالي القنفذة قديماً بروح التكافل في تجهيز الحجاج، حيث يشارك الجميع في تقديم ما يستطيعون من المساعدات  فيوفر البعض التمر والدقيق والسمن والذرة، بينما يتكفل آخرون بتأمين قرب الماء أو أدوات السفر، كما كانت نساء القرى يتعاونّ في إعداد وتجفيف الأطعمة الخاصة بالطريق، في مشهد اجتماعي يعكس قيم التعاون والمحبة بين أبناء المنطقة.

وسائل برية وبحرية للوصول لمكة المكرمة

وكانت قوافل الحجاج في القنفذة تسلك الطريق البري باتجاه مكة المكرمة مروراً بميقات السعدية المعروف قديماً، حيث يُحرم الحجاج هناك قبل مواصلة رحلتهم نحو المشاعر المقدسة، فيما يختار بعض الحجاج السفر بحراً عبر المراكب الشراعية من ميناء القنفذة التاريخي، الذي شكّل محطة مهمة لعبور الحجاج والتجار على الساحل الغربي.

طقوس الوداع 

وللوداع في تلك الفترة طقوس خاصة لا تزال حاضرة في ذاكرة كبار السن، إذ كانت النساء يرددن الأهازيج الشعبية والدعوات للحجاج بالسلامة والقبول، فيما تتعالى أصوات التلبية والتكبير في الأزقة والساحات الشعبية. وكان الأطفال يلتفون حول القوافل ملوحين بأيديهم للحجاج، بينما يرافق بعض الأقارب الحجاج لمسافات طويلة سيراً على الأقدام أو على ظهور الدواب تعبيراً عن المحبة وحرصاً على توديعهم حتى آخر الطريق.

كما اعتاد الأهالي تعطير الحجاج بالبخور والعود قبل الرحيل، وإقامة تجمعات عائلية كبيرة ليلة السفر يتبادل فيها الجميع الدعوات والوصايا، إلى جانب قراءة الأدعية الجماعية بعد صلاة الفجر يوم المغادرة، وسط مشهد تختلط فيه دموع الوداع بفرحة أداء الركن الخامس من أركان الإسلام.

استقبال الحجاج العابرين وتقديم المساعدة

ولم تقتصر مظاهر الكرم على أبناء القنفذة المسافرين للحج فحسب، بل كانت المنطقة محطة معروفة لاستقبال الحجاج العابرين من جنوب المملكة واليمن، حيث تفتح البيوت أبوابها لاستضافة القوافل وتقديم الطعام والماء للمسافرين، في صورة اجتماعية جسدت أصالة أهالي الساحل الغربي وارتباطهم بخدمة ضيوف الرحمن.

عودة الحجاج بالهدايا 

وعند عودة الحجاج، تتجدد الأفراح من جديد، فتتعالى عبارات الترحيب، وتُشعل روائح البخور في البيوت، وتُوزع الهدايا القادمة من مكة المكرمة والمدينة المنورة مثل السبح وماء زمزم والعطور، بينما يجتمع الأهالي للاستماع إلى حكايات الرحلة ومواقف الطريق والمشاعر المقدسة.

ورغم تغير وسائل السفر وتطور الحياة، لا تزال تلك العادات والتقاليد حاضرة في ذاكرة أهالي القنفذة وضواحيها، باعتبارها جزءاً أصيلاً من التراث الاجتماعي الذي يعكس قيم المحبة والتكافل وتعظيم شعائر الحج جيلاً بعد جيل.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى