القائد أولًا .. ثم النجاح

ليست الجمعيات مباني تُشيَّد، ولا لوائح تُعلَّق على الجدران، ولا اجتماعات تُستهلك فيها الكلمات كأنها غبار عابر. الجمعيات، في جوهرها، قلبٌ يبحث عمّن يُحسن النبض. وإذا أردت أن تعرف سر نجاح جمعية، فلا تبدأ بعدّ المقاعد ولا بحصر الميزانيات؛ ابحث أولًا عن القائد.
فثمة رجال، حين يحضرون، تتبدل هيئة المكان، كأنهم يحملون في جيوبهم ضوءًا صغيرًا يكفي لإيقاظ مدينة كاملة من نعاسها.
الأستاذ حبشي البارقي واحد من هؤلاء الذين لا يرفعون أصواتهم بقدر ما يرفعون الأثر. في سنوات قليلة، لم يكن حضوره في جمعية البر مجرد إدارة عابرة أو توقيع على قرارات روتينية، بل كان أشبه بعملية إنقاذ نبيلة لمكان كان يوشك أن يتحول إلى ذاكرة باهتة. هناك فرق بين من يدير مؤسسة، ومن يعيد إليها الحياة.
كان الوقف الخيري، في لحظة ما، يقف على حافة الصمت، كأن الزمن مرّ عليه قاسيًا حتى كاد يصبح بناءً مهجورًا، مسكنًا للأشباح، وحكاية يتداولها الناس بحسرة. لكن القائد الحقيقي لا يرى ما هو قائم فقط، بل يرى ما يمكن أن يكون.
وهكذا، حين امتلك حبشي البارقي الرؤية، تحرك الحجر. وما كان ساكنًا بدأ يتنفس. وما كان باهتًا استعاد ملامحه. حتى صار الوقف اليوم شاهدًا حيًا على أن القيادة ليست منصبًا، بل قدرة نادرة على تحويل الاحتمال إلى حقيقة.
القائد ليس من يجلس في المقدمة، بل من يدفع الجميع إلى الأمام. ليس من يطلب التصفيق، بل من يجعل الإنجاز يتحدث نيابة عنه.
وفي زمنٍ ازدحمت فيه العناوين، وبات كثيرون يتقنون لغة الظهور أكثر من لغة العمل، يبقى القائد الحقيقي عملة نادرة؛ يُعرف من أثره، لا من صورته.
لذلك، إن سألت عن سر جمعية نجحت بعد تعثر، أو مؤسسة نهضت بعد انكسار، فغالبًا ستجد في البداية اسم قائد… لأن القائد، ببساطة، ليس جزءًا من الحكاية؛ بل هو الحكاية نفسها.
كتبه : عبدالله بن سليمان البارقي




