كان الجار يومًا جزءًا من تفاصيل البيت، يُعرف اسمه وتُعرف أحواله ويُسأل عنه إذا غاب وتصل إليه المودة قبل أن تصل الرسائل، لم تكن الجيرة مجرد قرب في السكن وإنما علاقة تمنح المكان دفئه وتزرع في أهله شعورًا بالأمان والانتماء.
اليوم تغيّر شكل الحياة، أصبحت البيوت أكثر خصوصية والأبواب أكثر إحكامًا وربما تمضي سنوات ونحن نجاور أشخاصًا لا نعرف عنهم سوى رقم الشقة أو صوت الباب والخصوصية حق غير أن السؤال يستحق التأمل:
هل كان لا بد أن نخسر الجيرة ونحن نكسب الخصوصية ؟
ربما لم نفقد الجار لأن المسافات اتسعت وإنما لأننا اعتدنا أن ننظر إلى الحي بوصفه مكانًا نسكنه لا مجتمعًا ننتمي إليه، نهتم بجمال الواجهات والمرافق وننسى أن روح الحي تبدأ حين يشعر الإنسان أن حوله أناسًا يعرفونه ويفتقدونه إذا غاب.
ولا نحتاج إلى استعادة الماضي بكل تفاصيله ولا إلى علاقات تتجاوز حدود الخصوصية، يكفي سلام يحمل مودة وسؤال صادق وموقف صغير يعيد للجيرة معناها الإنساني – فالمدن قد تكبر والمباني قد ترتفع والتقنية قد تختصر المسافات ومع ذلك سيظل الإنسان بحاجة إلى أن يعرف أن خلف الجدار المجاور ( جارًا ) لا مجرد ساكن.

