يلتفّ الكرسي، ويُغلق المكتب، وينتهي المنصب، وتنتقل التوقيعات والأختام من يدٍ إلى أخرى… وحينها يسقط عن الإنسان كل ما كان يحيط به من هيبة المكان، ويبقى أمام سؤال واحد لا يستطيع منصب أن يجيب عنه :
ماذا تركت خلفك؟
ماذا صنعت في حياة من مررت بهم؟
كم بابًا فتحته؟
وكم إنسانًا دفعته إلى الأمام؟
وما الذكرى التي بقيت منك حين غادرت المكان؟
فالمنصب مهما طال عمره عابر، والكرسي مهما بدا ثابتًا قابل للدوران، أما الأثر فهو الشيء الوحيد الذي لا يغادر مع صاحبه.
وقد تعلّمنا الحياة أن بعض الناس حين يُمنحون سلطة المكان، يظنون أن المكان أصبح ملكًا لهم، وأن الأبواب لا تُفتح إلا بإذنهم، وأن نجاح الآخرين تهديد لهم، وأن إيقاف شخص أو حجب إنجازه يمكن أن يحافظ على بريقهم.
لكن الحقيقة مختلفة تمامًا.
نجاحك لا يحتاج إلى إطفاء نجاح الآخرين.
والقائد الحقيقي لا يخاف من المتميزين حوله، بل يصنع منهم امتدادًا لنجاحه.
ولا يرى اختلاف الآخرين معه تهديدًا، ولا يجعل المنصب أداة للانتقام، ولا يحوّل الصلاحيات إلى أبواب تُغلق في وجوه من لا يوافقونه.
فأخطر ما قد يحدث لأي بيئة ليس أن يخطئ شخص، وإنما أن تتحول السلطة فيها إلى وسيلة لإقصاء الآخرين، وأن يصبح الخوف أقوى من الإبداع، والمجاملة أقوى من الكفاءة، والصمت وسيلة للنجاة.
وقد مررت بتجربة جعلتني أرى هذا المعنى بوضوح.
أغلقت أمامي أبواب، وحاول البعض أن يحجب صدى إنجازاتي، وربما ظن أن التضييق سيوقفني، وأن إخراجي من مساحة معينة يعني نهاية الطريق.
لكنني اليوم أحمد الله على تلك العثرة.
فقد اكتشفت أن بعض الأبواب حين تُغلق في وجوهنا، تكون رحمة لا ندركها في لحظتها.
خرجت من تلك البيئة دون أن أحمل معي رغبة في الانتقام، ودون أن أبحث عن فرصة لإيذاء من آذاني.
خرجت وأنا أكثر يقينًا بأنني لا أريد أن أصبح نسخة من السلوك الذي رفضته.
إن لم أستطع أن أقدم الخير لإنسان، فلن أكون سببًا في قطع رزقه.
وإن سبقني شخص في إنجاز، فلن أحسده .
وإن اختلف معي، فلن أجعله عدوًا .
وإن نجح غيري، فسأترك له مساحة نجاحه، لأنني أؤمن أن الأرزاق لا تتعارك، وأن ما كتبه الله لك سيأتيك.
هذه القناعة هي التي تجعل الإنسان قادرًا على الاستمرار دون أن يستهلك نفسه في مراقبة الآخرين.
فأنا لا أحتاج إلى إسقاط أحد حتى أثبت أنني قادرة على الوقوف.
ولا أحتاج إلى إغلاق طريق حتى يفتح طريقي.
ولا أحتاج إلى منصب حتى أعرف قيمتي.
الإعلام، والكتابة، والاستشارة، والتدريب، والقيادة…
كلها أدوار صنعتها سنوات من العمل والعلم والتجربة، وليست هبات يمنحها كرسي أو يحجبها ختم.
وقد يتغير المسمى، وتتبدل المواقع، وينتقل التوقيع من يد إلى أخرى، لكن ما بناه الإنسان في نفسه، وما تركه في حياة الآخرين، لا يستطيع أحد أن يسحبه منه.
وهنا يكمن الفرق بين من يملك المنصب، ومن يستحق المكان.
الأول قد يرحل ويبقى المكان كما هو.
أما الثاني، فيرحل وتبقى بصمته في المكان وأهله.
لذلك لا ألتفت كثيرًا إلى من ظن أن إغلاق باب سيغلق الطريق كله.
الحياة أكبر من باب، والطموح أكبر من مكتب، والإنجاز أكبر من مؤسسة، والإنسان أكبر من مسمى وظيفي.
وربما كان أجمل ما منحته لي تلك التجربة أنها علّمتني ألا أقيس نفسي بمن ينافسني، بل بمن كنت عليه بالأمس.
أن أعمل بهدوء.
أن أترك إنجازاتي تتحدث.
أن أضع طاقتي في البناء بدلًا من الرد.
وأن أؤمن بأن الأيام لا تحتاج منا أن ننتقم؛ فهي كفيلة بإظهار الحقيقة.
فكم من شخص ظن أن سلطته ستدوم، ثم دارت الأيام.
وكم من إنسان أُغلقت أمامه الأبواب، ثم وجد أبوابًا لم يكن يعرف أنها موجودة.
وكم من شخص ظن أن المنصب هو القوة، ثم اكتشف أن القوة الحقيقية كانت في الأخلاق التي لم يتخلَّ عنها الإنسان حين امتلك السلطة.
وفي النهاية…
حين يطوى الكرسي، وتغلق الأبواب، وتنتهي الصلاحيات، وتتغير الأسماء…
يبقى السؤال نفسه: ماذا تركت ؟
هل تركت خوفًا أم أمانًا ؟
هل تركت خصومات أم علاقات ؟
هل أوقفت أرزاقًا أم فتحت فرصًا ؟
هل جعلت من حولك يتمنون رحيلك، أم يدعون لك بعد رحيلك ؟
فهنا فقط يظهر الفرق.
ليس المهم كم بقيت في المنصب…
المهم: ماذا بقي منك بعد أن غادرت ؟
والحمد لله على كل باب أُغلق وكان خلفه طريق لا يليق بي، وعلى كل عثرة دفعتني إلى الأمام، وعلى كل تجربة كشفت لي قيمة أن يبقى الإنسان وفيًا لمبادئه مهما تغيرت الظروف.
فأنا لا أريد أن أكون إنسانة انتصرت على أحد.
أريد أن أكون إنسانة انتصرت على كل ما كان يمكن أن يغيّرها إلى الأسوأ.
وهذا بالنسبة لي هو الانتصار الحقيقي.
فالكراسي تُطوى ..
والمناصب تتبدل ..
والأختام تنتقل ..
أما الأثر الطيب، فيبقى شاهدًا على صاحبه حتى بعد أن يغادر المكان.


