ثَمّة كلماتٌ قصيرة في حروفها، ثقيلةٌ على بعض النفوس في نطقها، عظيمةٌ في أثرها ، ولعل كلمة «أعتذر» واحدةٌ منها – نخطئ جميعًا ، في كلمةٍ خرجت لحظة غضب، أو حكمٍ استعجلناه، أو موقفٍ لم نفهمه جيدًا. لكن المشكلة ليست في الخطأ وحده، بل في الإصرار عليه حين نكتشفه، وعجزنا عن الرجوع حين يصبح الرجوع فضيلة.
تربّى بعضنا على أن الاعتذار هزيمة، وأن قول «أخطأت» ينتقص من المكانة ، فنبحث عن المبررات، وقد نخسر إنسانًا نحبه حتى لا نخسر معركةً صغيرة مع كبريائنا ، لكن أيُّ انتصارٍ هذا الذي نكسب فيه الموقف ونخسر القلب؟
الاعتذار لا يُنقص الإنسان ، بل يكشف مقدار نضجه وثقته بنفسه – فالشخص الواثق يعرف أن قيمته أكبر من خطأ ارتكبه، وأن الرجوع إلى الحق لا يصغّره، وإنما يرفعه ، والاعتذار الحقيقي ليس كلمةً عابرة لإغلاق الحديث، بل اعترافٌ بالخطأ، وتحملٌ لمسؤوليته، ورغبةٌ في إصلاح أثره. وأحيانًا لا يحتاج القلب المجروح إلى تفسير طويل؛ يكفيه أن يسمع بصدق : أخطأت في حقك… وأعتذر منك.
كم من صداقةٍ انتهت لأن كلمة الاعتذار لم تأتِ، وكم من أخوين أبعد بينهما الكبرياء، وكم من بيتٍ تراكم فيه الصمت لأن كل طرف ينتظر الآخر!
والأهم أن نعلّم أبناءنا الاعتذار بالقدوة لا بالمواعظ؛ فحين يعتذر الأب لابنه، والمعلم لطالبه، والمسؤول لمن أخطأ في حقه، لا تهتز مكانتهم، بل يكبرون في عيونهم ؛ لأنهم يعلّمون أن الإنسان أكبر من خطئه.
وللاعتذار وجهٌ آخر لا يقل جمالًا عن قبول الاعتذار. فما جدوى أن نطالب الآخرين بالاعتذار ثم نغلق أمامهم أبواب العودة ؟ نحن جميعًا نعيش بين خطأٍ نرجو أن يُغفر لنا، وخطأٍ نستطيع أن نغفره لغيرنا.
إن المجتمع الراقي ليس مجتمعًا بلا أخطاء، وإنما مجتمع يعرف كيف يدير الخطأ بأخلاق : يعترف به، ويعتذر عنه، ويصلحه، ويتعلم منه ثم يمضي.
فلنُعِد تعريف القوة ، فليس القوي من لا يتراجع أبدًا، وإنما من ينتصر على نفسه حين يعرف أنه أخطأ.
فبعض الاعتذارات تعيد قلبًا، وتصل رحمًا، وتنقذ صداقة، وتعيد الدفء إلى بيت.
والاعتذار ليس انحناءً للإنسان… بل ارتقاءٌ بالإنسانية فينا ، وأجمل الانتصارات أن ننتصر على كبريائنا قبل أن نخسر من نحب.

