مع مرور الأيام، نكتشف أن التعامل مع الناس مدرسة لا تنتهي دروسها، وأن أكثر ما يكشف الفروق الفردية بينهم ليس حديثهم، ولا مظهرهم، بل طريقة تقديرهم لما يقدمه الآخرون لهم – هناك من تطلب منه معروفًا، فيشعرك أن ما قدمته له أكبر من أن يُردّ، فيحرص على شكرك، ويقدّر وقتك، ويلتفت إلى التفاصيل التي ربما لم تطلب منه أن يلتفت إليها.
وهناك من تقدم له الخدمة نفسها، بالجهد نفسه، وربما أكثر… ثم تخرج من التعامل معه وأنت تتساءل :
هل كان يستحق كل هذا الذي بذلته ؟
ليس مؤلمًا أن يختلف الناس في تقدير قيمة الأشياء، فلكل إنسان نظرته وظروفه، لكن المؤلم أن يبذل الإنسان من وقته وجهده، ثم يجد أمامه من يتعامل مع ذلك وكأنه أمر عابر لا يستحق حتى كلمة تقدير يستكثر عليك المبلغ، لكنه لا يرى الساعات التي أمضيتها في إنجاز ما طلب – يرى ما خرج من جيبه، ولا يرى ما خرج من يومك – يرى الخدمة حين وصلت إليه مكتملة، ولا يرى الطريق الطويل الذي قطعته حتى تصل إليه بهذه الصورة.
وقد يماطل، ويراوغ، ويؤجل، وكأن الوقت الذي ينتظره منك لا قيمة له.
والأشد إيلامًا أن بعض الناس حين يجدون منك كرمًا في البداية، يعتادونه حتى يتحول الكرم في نظرهم إلى حق مكتسب، فإذا طلبت مقابل جهدك أو وضعت حدًا لعطائك، تغيرت نظرتهم إليك، وكأنك أنت المخطئ لأنك لم تعد تمنح كما كنت.
وهنا نتعلم درسًا مهمًا : ليس كل من يحتاجك يستحق وقتك، وليس كل من طلب منك خدمة يستحق أن تقدمها بالطريقة التي ترهقك ، فالإنسان الذي يحترمك، لا ينتظر منك أن تشرح له كم تعبت والذي يقدّر جهدك، لا يجعلك تدافع عن قيمة عملك في كل مرة ، والذي يعرف معنى الوقت، لن يستهين بوقت غيره ، لذلك، لا تجعل طيبة قلبك سببًا في استنزافك، ولا تجعل حرصك على إرضاء الآخرين يجعلك تتنازل عن حقك في التقدير.
تعلم أن تقول : هذا جهدي، وهذا وقتي، وهذه قيمة ما أقدمه .
ليس غرورًا أن تعرف قيمة ما تقدم، وليس أنانية أن تطلب حقك، وليس قسوة أن تضع حدودًا لمن اعتاد أن يأخذ منك أكثر مما يعطي.
ففي النهاية :
بعض الناس لا يخسرونك لأنهم لم يستطيعوا دفع ما تستحق، بل يخسرونك لأنهم لم يستطيعوا أن يروا أصلًا كم كنت تستحق.
والفرق كبير بين شخص يقول : كم سأدفع ؟
وشخص يقول: كم بذلت من أجلي ؟
الأول ينظر إلى ما خرج منه، والثاني ينظر إلى ما بذلته أنت.
وربما كانت أجمل حكمة نتعلمها من الناس :
أن نحسن العطاء، لكن أن نحسن أيضًا اختيار من نعطيه.


