نعمة الإحساس

الإحساس الذي نعنيه، هو الإحساس المتعلق بالمشاعر، وما يتبعها بطبيعة الحال من فكر وعمل، وبعبارة مختصرة، ما يتبعها من سلوك إنساني، يفيد إن كان صاحبه قد أحس إحساساً حقيقياً، وهل أحس إحساساً نبيلاً أم إحساساً غير ذلك .

الإحساس بهذا المعنى الذي قدمته، لا شك أنه غير موجود في كل إنسان، فليس كلُّ واحدٍ يحس إحساساً نبيلاً، ينبئ عن كونه ذا وجدان، يعزّزه قلب، يشعر بمعاني الحياة ومكارم الأخلاق، وما تحويه من قيم الجمال والخير.

ألا يحق لنا أن نعد الإحساس الذي على هذه الصورة الحية والوجدانية، نعمةً من النعم الإلهية الكثيرة عند بني آدم، نعمة تمثل فضلاً جليلاً، لمن ينعم بها، لو فطن لمكانها من الفضل، فكم في يد الإنسان من نعم، لا يشعر أنها نعمة، لإلفه إياها، وإنما يستيقظ الشعور عند الفقد أو الحرمان أو التغير.

لقد قال الحكماء:(ما تملكه اليد، تزهده النفس)، وهذه طبيعة النفس الإنسانية، وأشهد أن هذا العملَ خطأٌ عظيم، إذ ينبغي لما تملكه اليد، أن تجلّه النفس، وتشدَّ يدها عليه، حفاظاً له واستبقاءً، مما يحقق الشكر على النعمة، وكم من نعمةٍ كانت في يدينا، وفرطنا فيها، ثم قعدنا محسورين نادمين، نبكي على ما فات وضاع، ومصيبتنا أن الإحساس بالنعم ينقصنا كثيراً.

إن ما يجب علينا هو تنمية إحساسنا، قبل أن نفكر ونسعى في تنمية ممتلكاتنا، وأرى أن كل شيء في الحياة قابل للنماء وللنقص أيضاً، إن الإيمان بالله جل وعلا، الإيمان الذي هو رأس الأمر كله، وعصمة الأرواح بحياتها، قال العلماء عنه إنه يزيد وينقص، بل نستطيع القول إنه ينعقد وينحل.

الإحساس لا شك أنه موجود في كل حي، ولسنا نقول غير ذلك، ولكنه أحياناً يكون غير ذي فاعلية، أو تعتريه بعض الآفات والأسقام، أو يغفو أحياناً وتطول غَفَواته، وكأنه آلة كهربائية  غير موصولة بتيار الكهرباء، وإذا اتصلت به دارت، فانتفعت بدورانها  وانتفع غيرها، وسارت من بعده سفينة الحياة، حتى تبلغَ غايتها، وأرى الإحساسَ كهرباءَ النفس والوجدان، من غيره تغرق النفس في ظلام.

إننا بالتأسي نستطيع اكتساب ما يعوزنا وينقصنا، وقد تحدث العلماء كثيرا عن أهمية القدوة الحسنة وضرورتها من أجل تحسين السلوك الإنساني، واكتساب الفضائل والمحاسن.

ولنضرب مثلا هنا للإحساس الذي نعنيه بعنترة بن شداد، نعم عنترة، وما أدراك ما عنترة؟!!.

ألا تذكر إحساس عنترة بفرسه، الذي شكا إليه بعبرته وتحمحمه، حين قال عنه، في قصيدته الشهيرة:

فازوَّر من وقع القَنا بلَبانه    وشكا إلي بعبرة وتحمحمِ

لو كان يدري ما المحاورةُ اشتكى    ولكان لو علم الكلامَ مكلّمِ

وفي واقع الحياة بشرٌ، لو شكا إليه إنسان بكلمات لسانه، وعبرات عينه، ما أحس، ولربما أساء.

أولا تذكر إحساس عنترة أيضا، الذي لم يفارقه حتى في أشد الأوقات وأحرجها، حين تذكر ثغر حبيبته عبلة، في معمعة القتال، وبريق السيوف يخطف الأبصار، وأسنة الرماح تطلب الدماء، فقال:

ولقد ذكرتُكِ والرماح نواهلٌ    مني وبيضُ الهند تقطر من دمِ

فوددتُّ تقبيل السيوف لأنها    لمعت كبارق ثغركِ المتبسم

يا لَلعجب!! أليس الغالب علينا نحن الضعفاء– أصلحنا الله- أننا نفقد إحساسنا عند أدنى مشكلة تواجهنا، أو أقل أزمة تمر بنا ؟ ولكن البطل لا يكون بطلاً، إلا بمكارمَ وصفاتٍ في نفسه، هي كالذخيرة بالنسبة إلى الأسلحة.

وإحساس عنترة الرهيف، لم يجعله يفوّت ذكر مكان محبوبته، ومنازل أهلها، منزلاً منزلاً، حين ذكرها قائلاً :

وتحلُّ عبلةُ بالجواءِ، وأهلُها    بالحَزْنِ فالصمَّانِ فالمتثلَّمِ

بل تعدَّى إحساس عنترة، بيئته الخاصة، ليصلَ شعاعُه إلى غيره من الشعراء، كما يشهد بذلك مطلع قصيدته:

هل غادر الشعراءُ من متردَّمِ؟     أم هل عرفتَ الدار بعد توهمِ؟

كذلك هم كرام الرجال، وكذلك أيضا كرائم النساء، ينعمون بيقظة الإحساس، ونقاء صفحته، وشفاء روحه من كل علة وداء، وكأنما إحساسهم شمس تنشر الدفء والضياء.

نعمة الإحساس تلك، وإن كانت كثيراً ما ترهق النفس، وتتعب الأعصاب، إلا أنها على كل حال خيرٌ من البلادة التي تودي بعِرض المرء، وتسقط إنسانيته.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى