حينَ يتحوّلُ الدجاجُ إلى ” حمام ” !

في زمنٍ أصبحت فيه الأسعارُ تُحلّقُ بلا أجنحة، لم يعد المواطنُ يخشى من ارتفاع القيمة بقدر ما يخشى من اختفاء المعنى.
تدخلُ أحدَ المطاعم أو محلات الوجبات السريعة، تدفعُ المبلغَ ذاته الذي كنتَ تدفعه قبل سنوات، فتظنّ أن الوجبةَ ما زالت تحملُ شيئًا من الوفاء القديم… لكنّ المفاجأة تبدأ حين تفتح الغطاء، فتجدُ قطعةَ دجاجٍ صغيرةً إلى حدٍّ يجعلك تتساءل بدهشةٍ ساخرة:
أهذه وجبةُ دجاجٍ فعلًا… أم أنّ “الحمام” قد دخلَ خطوطَ الإنتاج دون إعلان ؟!
المشكلةُ ليست في صِغرِ الحجم وحده، بل في ذلك الشعور الثقيل الذي يلامسُ المستهلك حين يكتشف أنّ المعادلة أصبحت مختلّة :
السعرُ ثابتٌ أو مرتفع…
والجودةُ تتراجع …
والحجمُ يتناقص …
أما التبريراتُ فتكبرُ كلَّ يوم!
المؤلمُ أكثر أن هذا المشهد لم يعد حالةً عابرة، بل أصبح حديثَ الناس في المجالس، ومادةً يوميةً للتندر والاستياء في مواقع التواصل.
فالناسُ لا تطلبُ المستحيل، ولا تبحثُ عن الولائم الفاخرة، لكنها تريدُ عدالةً بسيطة : أن يكون ما يُعرضُ للزبون موافقًا لما يُدفعُ مقابله.
وحين يتكرر هذا المشهد في مطاعم متعددة، يبدأ السؤالُ الأكبر بالظهور:
أين الجهاتُ المعنية من هذا الواقع ؟
وهل ما يُشاهده المواطنُ يوميًا لا يستحق وقفةً جادّة؟
أم أن التقارير الورقية أكثر جمالًا من الحقيقة التي تختبئ داخل علب الوجبات؟
يبدو أحيانًا وكأن بعض المتابعين لهذا القطاع يتناولون وجباتهم في منازلهم، بعيدًا عن طوابير الانتظار، وعن دهشة المستهلك حين يفتح وجبته ليجد “هيكلًا نحيفًا” لا يشبه الصور المعلّقة على الشاشات المضيئة!
فالواقع في بعض المواقع مختلفٌ تمامًا عن الصورة الإعلانية البراقة التي تُباع للناس.
إن القضية هنا ليست “قطعة دجاج” فقط…
بل احترامُ المستهلك، وحمايةُ ثقته، وحفظُ التوازن بين التاجر والناس.
فالربحُ حقٌّ مشروع، لكنّ الجشع حين يتخفّى خلف التغليف الأنيق والعروض اللامعة، يتحوّل إلى استنزافٍ صامتٍ لرضا المجتمع وثقته.
وما نأمله اليوم ليس حملاتٍ موسميةً عابرة، ولا جولاتٍ تُلتقطُ لها الصور، بل رقابةً حقيقيةً تلامسُ الواقع كما يراه الناس، وتعيدُ للسوق شيئًا من العدالة والشفافية.
فالأسواقُ لا تُقاسُ بكثرة المطاعم، بل بمقدار الأمانة فيها.
ويبقى الأملُ معقودًا على الجهات المعنية سرعة الوقوف الميداني الصادق، وإنقاذ المستهلك من موجة التقليص الخفي التي جعلت بعض الوجبات تبدو وكأنها تعيشُ “حميةً إجبارية” قبل وصولها إلى الطاولة!
لأنّ المستهلك قد يصبرُ على غلاء الأسعار…
لكنه يتعبُ كثيرًا حين يشعرُ أن عقله قبل جيبه أصبح مستهدفًا.




