الجدات وأخر ما تبقى من دفء العيد

في صباحات عيد الأضحى القديمة، كانت الجدّات يستيقظن قبل الجميع، كأن العيد لا يبدأ إلا بعد أن تتحرك أيديهن في البيت.
صوت الأواني في المطبخ، رائحة القهوة العربية، البخور المتسلل إلى الممرات، وترتيب المجالس استعدادًا لاستقبال الأقارب، كلها كانت علامات مبكرة تخبرنا أن العيد وصل فعلًا.
لم تكن الجدّة تصنع التفاصيل فقط، وإنما كانت تصنع روح العيد نفسها، بعد صلاة العيد، يبدأ البيت بالامتلاء شيئًا فشيئًا، الأطفال يركضون بملابسهم الجديدة، والضحكات تتداخل مع أصوات السلام والترحيب، بينما تبقى الجدّة في المنتصف، تستقبل الجميع بوجه يعرفه الدفء جيدًا.
توزّع “العيديات” بحنان، وتدعو لكل فرد باسمه، وتسأل عن الغائب قبل الحاضر، وكأن قلبها كان يتّسع للعائلة كلها دون تعب، حتى الطعام كان يحمل بصمتها الخاصة، فبعض الأكلات لم تكن تُشبه نفسها إلا بوجودها، وكأن يدها لم تكن تضيف المكونات فقط، وإنما تضيف شيئًا خفيًا يشبه الطمأنينة، ولهذا، بقيت بعض الروائح قادرة على إعادة الإنسان إلى طفولته مهما تقدّم به العمر.
الجدّات لم يكنّ مجرد أفراد في العائلة، وإنما ذاكرة حيّة تحفظ العادات من التلاشي، كنّ يعرفن كيف يجمعن القلوب حول مائدة واحدة، وكيف يحوّلن البيوت البسيطة إلى أماكن ممتلئة بالألفة.
أما اليوم، فقد تغيّر الكثير، أصبحت بعض اللقاءات العائلية أقصر، وأصبح الجميع يجلسون في المكان ذاته بينما ينشغل كل شخص بعالم صغير داخل هاتفه، تراجعت الحكايات الطويلة، وخفّت حرارة المجالس، وبات العيد يمر سريعًا كأنه موعد اجتماعي عابر، لا تلك المناسبة التي كانت تُشعر الإنسان بأنه ينتمي إلى شيء دافئ وثابت.
وربما لهذا السبب، حين ترحل الجدّة، يشعر البيت أن شيئًا أكبر من الغياب قد حدث، لا يختفي شخص واحد فقط، وإنما تختفي معه رائحة زمن كامل، وصوت كان يمنح المكان طمأنينته، وتفاصيل صغيرة كانت تجعل العيد أكثر صدقًا.
كانت الجدّات آخر ما يُبقي العائلة متماسكة دون أن يشعر أحد، وحين يغيبن..! ندرك متأخرين أنهن لم يكنّ مجرد نساء في البيت، وإنما كنّ البيت نفسه.


