” إياك أن تكون من طاقم عصويد “

في ذلك الخليج الصغير، حيث كانت القوارب تعرف أصحابها أكثر مما يعرف الناس أنفسهم، كان يُحكى عن أربعة رجال اجتمعوا كما تجتمع المصائب صدفةً في صباحٍ واحد.

أولهم عصويد… رجلٌ كان يقود قاربًا متهالكًا لكنه يتصرف كأنه أمير الأساطيل السبع. يلقّب نفسه بـ”نقّال العلوم”، مع أن أقصى ما نقله يومًا كان شائعةً مبتورة، وخبرًا منقوصًا، وصندوق تمرٍ ليس له. كان إذا جلس بين الناس مسح لحيته الوهمية وقال بصوت من يعرف كل شيء : “المسألة ليست كما تظنون… عندي مصادر.”

أما شرشبيل، فكان رجلاً يوافق على كل شيء، حتى لو قيل له إن السمك يهاجر برًّا أيام الخميس. يهز رأسه بحكمة مستعارة، ويقول: “هذا ما كنت سأقوله تمامًا.”

وثالثهم ذلك الرجل المندس، الذي لم يُعرف له عمل صالح واحد، لا لأن الناس ظلموه، بل لأن البحث في سيرته كان يشبه البحث عن سمكة في صحراء. كان اختصاصه الوحيد النفخ في الأحاديث، وإشعال الخصومات، ثم الجلوس بعيدًا يتأمل الفوضى كفنان معجب بلوحته.

أما الرابع، صاحب العجرة الشهيرة، فكان أسطورة قائمة بذاتها. لم يعرف أحد سرّ تلك العجرة التي يتكئ عليها كما لو كانت وثيقة سيادية. إذا اشتد النقاش ضرب الأرض بها وقال :
“أنا عندي خبرة.”

وفي صباح مشؤوم، قرر الأربعة الخروج للصيد.

وقف عصويد عند مقدمة القارب صارخًار: “أنا القائد، وقد درست الملاحة.”

سأله صياد عجوز: “ أين درست ؟ ”

فقال بثقة: “ نظريًا  ”

تحرك القارب مترين ثم دار حول نفسه كأنه يعيد التفكير في حياته.

قال شرشبيل فورًا:
“هذه مناورة تكتيكية.”

أما المندس فقال هامسًا:
“في الحقيقة… هذا جزء من الخطة.”

وصاحب العجرة هز عجرته موافقًا دون أن يفهم شيئًا.

وحين وصلوا إلى منطقة الصيد، بدأ العرض الحقيقي.

ألقى عصويد الشبكة بالمقلوب.

صفق شرشبيل:  طريقة حديثة .

ربط المندس الحبل في قدمه بدل طرف القارب.

أما صاحب العجرة، فكان يوجه التعليمات للبحر نفسه.

راقبهم الصيادون من بعيد أول الأمر بصمت، ثم بشفقة، ثم بفضول يشبه متابعة مسرحية مجانية.

وبعد ساعة كاملة، لم يصطاد الأربعة سوى حذاء قديم، وعلبة صدئة، وشيئًا غامضًا قرروا اعتباره اكتشافًا علميًا.

لكن الكارثة وقعت حين وقف عصويد يخطب في الصيادين:
“أنتم لا تفهمون منهجنا.”

فرد صياد عجوز وهو يضحك:
“يا ولدي، المنهج الوحيد الذي رأيناه أنكم تحاولون إغراق أنفسكم بطريقة جماعية.”

وهنا بدأ الانكشاف.

قال صياد آخر: “ أنت يا نقّال العلوم، نقلت الشبكة بالعكس ”

وقال ثالث:  ” وأنت يا شرشبيل، لو قيل لك القارب يطير لطلبت جناحين.”

وأشار إلى المندس:  ” أما هذا، فلا نعرف هل جاء للصيد أم لسرقة السمك نفسيًا.”

ثم نظروا لصاحب العجرة وقالوا:  ” وهذا يبدو أنه المدير التنفيذي للفوضى.”

ساد صمت ثقيل : حتى البحر بدا محرجًا.

حاول عصويد استعادة هيبته فقال:
“لدينا تفسير.”

لكن الصياد العجوز قاطعه:
“الرجل الذي يحتاج تفسيرًا لكل فشل، يشبه صيادًا يلوم السمك لأنه لم يحب شخصيته.”

ضحك الجميع.

حتى شرشبيل… ثم تذكر أنه معهم فتوقف.

وفي لحظة ارتباك، انزلقت العجرة الشهيرة في الماء.

قفز صاحبها خلفها صارخًا:
“هذه رأس المال!”

فانقلب القارب، وسقط الأربعة دفعة واحدة في مشهد وصفه أحد الصيادين لاحقًا بأنه:
“أسرع مؤتمر انهيار حضره البحر.”

عادوا إلى الشاطئ مبللين، مهزومين، وصامتين.

ومنذ ذلك اليوم، صار الصيادون إذا رأوا من يدّعي الخبرة بلا عمل يقولون :
“إياك أن تكون من طاقم عصويد.”

أما البحر… فقد رفض التعليق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى