التعليم بين طول المدة وغياب الشغف

التعليم حين يتحول إلى عبءٍ زمني يفقد كثيرًا من روحه، وحين يمتد العام الدراسي طويلًا دون تجديدٍ في الأساليب أو المحتوى، يصبح أشبه برحلةٍ مرهقة تُدار بالعادات لا بالدافعية. في كثير من الأحيان، يبدو المشهد وكأن التعليم يُقدَّم في “مراحل الشيخوخة” لا في ريعان الشباب؛ حيث الحماس يخفت تدريجيًا، والطلاب في أواخر العام الدراسي يفتقدون الشغف، لا لأنهم عاجزون، بل لأن البيئة التعليمية لم تعد تُغذّي فضولهم.
المناهج المتكررة، التي تعيد الأفكار بصيغ مختلفة دون عمقٍ أو تطبيق، تشبه ماءً لا يروي عطشانًا في صحراء قاسية. الطالب يبحث عن معنى، عن تجربة، عن ارتباطٍ بالحياة، بينما يجد نفسه محاصرًا بمحتوى نظري لا يلامس واقعه. ومع طول المدة الدراسية، يتضاعف هذا الشعور حتى يصل إلى مرحلة الملل الجماعي.
في المقابل، تعيش الأسر حالة من التذمر؛ فاستمرارية التعليم بهذه الصورة تستهلك الوقت والجهد دون أثرٍ واضح على المهارات الحقيقية للأبناء. أما المعلم، فهو الحلقة الأكثر استنزافًا ؛ تتراكم عليه المتطلبات، وتتلاحق الأعمال الإدارية، فيجد نفسه بين ضغط الأداء وضعف الأدوات، وقد بان عليه التعب قبل أن يكتمل العطاء.
المشكلة لا تقف عند الزمن فقط، بل تمتد إلى البيئة التعليمية نفسها. مدارس غير مهيأة، تكييف لا يعمل بكفاءة في مناخٍ حار، نقص في المعامل والتجهيزات، وغياب واضح للتعليم العملي والتقني. كيف يمكن إقناع الطالب بقيمة التعلم في بيئة لا تعكس هذه القيمة ؟!
السؤال الجوهري لماذا نُطيل العام الدراسي ؟ بل: ماذا نُقدّم خلاله ؟ التعليم الفعّال لا يُقاس بعدد الأيام، بل بعمق الأثر. تقليص الحشو، إدخال المواد التطبيقية ، تهيئة المدارس تقنيًا، وإعادة توزيع الجهد بين المعلم والمنهج ، كلها خطوات كفيلة بأن تعيد للتعليم حيويته.
التعليم يجب أن يكون تجربة تُنعش العقل، لا عبئًا يُثقل الأيام. وإذا لم يُراجع هذا المسار بجدية، فسنظل نُطيل الطريق دون أن نصل إلى الهدف المراد تحقيقه .



